الدّكتور مورْدِخاي كيدار – خطّة الإمارات

 

 

 

هذه الخطّة، التي طوّرها الدّكتور مورْدِخاي كيدار، تعرض على حوالي مليونَي عربيّ فلسطينيّ في يهودا والسّامرة أن يكونوا مواطنين في ثماني دول-مدن مستقلّة، بناءً على النّموذج المزدهر والنّاجح للإمارات العربيّة المتّحدة في الخليج. هذه المدن هي: الخليل، بيت لحم، أريحا، رام الله، طولكرم، قلقيلية، نابلس وجنين.

 

خلفيّة ومقدّمة

 

تواجه دولة إسرائيل اليوم ثلاثة تهديدات رئيسيّة: إمكانيّة وجود إيران نوويّة، أكثر من 100000 صاروخ على أنواعه من ثلاثة اتّجاهات مختلفة (غزّة، لبنان وإيران)، وخطّة إقامة دولة فلسطينيّة في إطار "حلّ الدّولتين". يبدو وكأنّ التّهديدين العسكريّين الأوّلين بديهيّان، لكن لماذا "حلّ الدّولتين" يعرّض وجود إسرائيل للخطر؟ في نهاية الأمر، هذه الخطّة كانت وما زالت خطّة السّلام الرّئيسيّة والوحيدة الموضوعة على طاولة المفاوضات السّياسيّة في إسرائيل وفي المجتمع الدّولي، إلى جانب مجموعة متنوّعة من مبادرات السّلام وخرائط الطّرق العالميّة. في الواقع وحسب نتائج الماضي، أدّت هذه الخطّة والفكرة التي في أساسها إلى نتائج عكسيّة للسّلام.

 

إقامة دولة فلسطينيّة مصطنَعة، التي تطالب بإقصاء عائلات يهوديّة من أماكن لا يوجد فيها سكّان عرب، ستؤدّي إلى تكوّن حدود لا يمكن للدّولة اليهوديّة الدّفاع عنها. إنّ العناصر المعتدلة (إذا جاز التّعبير) في السّلطة الفلسطينيّة وفي فتْح معنيّة بدولة فلسطينيّة كمرحلة متوسّطة، بالطّريق نحو القضاء على إسرائيل، وهذه العناصر لا تحاول حتّى إخفاء نواياها. لا تزال حماس حازمة في معارضتها لأيّ اتّفاق يعترف بإسرائيل كدولة، لأنّه وفقًا لمفهوم ورأي المنظّمة، فإنّ إسرائيل كدولة يهوديّة ليس لها الحقّ في الوجود حتى على سنتيمتر مربّع واحد. أيّ اقتراح لاتّحاد حماس مع فتْح يطوي بداخله خطر زيادة التّهديد لإسرائيل وللشّعب اليهوديّ. عدوان حماس ضدّ إسرائيل منسَّق مع الجهاد الإسلاميّ وراعيه الرّئيسيّ إيران، بالإضافة إلى لجان المقاومة الشّعبيّة وغيرها من المنظّمات الإرهابيّة العاملة داخل قطاع غزّة وخارجه.

 

أدّى الرّبيع العربيّ إلى شرق أوسط أقلّ استقرارًا. لا يمكن لإسرائيل أن تسمح أن يُملي العالم عليها سياسة من شأنها أن تجعل من الصّعب على الشّعب اليهوديّ البقاء على قيد الحياة في أرض آبائه. يجب على إسرائيل أن تبادر بحلّ مستقلّ لمعالجة حقوق الإنسان ورفاهيّة العرب الفلسطينيّين، وكذلك معالجة موضوع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة والجهاد العسكريّ. عدم اتّخاذ القرار والعمل لا يؤدّي إلّا إلى تدخّل أجنبيّ من الخارج.

 

قبل قيام دولة إسرائيل في عام 1948، كانت الأراضي المقدّسة تحت احتلال الانتداب البريطانيّ. كانوا ينظرون لليهود، الذين حافظوا على وجود مستمرّ في الأراضي المقدّسة لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، في كثير من الأحيان كما لو أنّهم فلسطينيّون، وذلك من أوائل العشرينات من القرن الماضي وحتّى إعلان استقلال إسرائيل في عام 1948. مثالان يبرهنان هذا التّشخيص المهم: صحيفة "Post Palestine" ("بوست بالِستاين") التي أسّسها يهوديّ أمريكيّ في كانون الأوّل/ديسمبر 1932 تحت الانتداب البريطانيّ والتي دعمت الجهود المبذولة لإقامة دولة يهوديّة في الأراضي المقدّسة. في عام 1950، بعد عامين من إعلان استقلال دولة إسرائيل، غيّرت الصّحيفة اسمها إلى "Jerusalem Post" ("جيروزاليم بوست"). بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ما بدأ تحت اسم "أوركسترا فلسطين السِّمفونيّة" يُعرف الآن باسم "أوركسترا إسرائيل الفيلهارمونيّة".

 

العرب الذين هاجروا إلى الأراضي المقدّسة في أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20، من أجل العمل والعيش والازدهار بين اليهود، لم يرغبوا بأن يتمّ تعريفهم كفلسطينيّين إلى أن أصبح هذا الأمر أداة فعّالة في مقاومتهم للدّولة اليهوديّة. في عام 1964 تمّ إنشاء منظّمة التّحرير الفلسطينيّة التي خلقت هويّة فلسطينيّة-وطنيّة جديدة من الهويّة العربيّة-القبَليّة التي كانت موجودة حتّى ذلك الوقت.

 

من النّاحية التّاريخيّة، لم تكن هناك أبدًا دولة فلسطينيّة عربيّة أو إسلاميّة مع عاصمة في القدس. عاصمة جُند فلسطين (مقاطعة فلسطين) الذي كان تحت الاحتلال العربيّ في القرن السّابع كانت مدينة الرّملة، الواقعة على بُعد حوالي 30 كم غرب القدس. من المهم للغاية الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخيّة كأساس للسّلام.

 

لا توجد أرض محتلّة غرب الأردن، بل هناك أرض مختلَف عليها نتيجةً للحروب التي فُرِضَت على إسرائيل من قِبل الدّول العربيّة. اليوم، يعيش العرب داخل دولة إسرائيل، في غزّة، وفي يهودا والسّامرة. هذه التّجمّعات السّكّانيّة العربيّة موجودة هنا لتبقى، وهكذا أيضًا دولة إسرائيل.

 

إنّ غزّة قد أصبحت كيانًا ذا سيادة، لأنّ حماس استولت عليها بالقوّة من منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في حزيران/يونيو 2007 ممّا أدّى إلى سحْق السّلطة الفلسطينيّة إلى كيانين منفصلَين ومعاديَين الواحد للآخَر. إذا اضطرّت إسرائيل إلى مغادرة يهودا والسّامرة كجزء من اتّفاق سلام، فعلى الأرجح أنّ حماس – المسلَّحة أكثر بينهما – هي التي ستسيطر في نهاية المطاف على نظام الحُكم الحاليّ التّابع للسّلطة الفلسطينيّة/فتْح، كما هو الحال في غزّة، سواء عن طريق الانتخابات (كما حدث في كانون الثّاني/يناير 2006) أو بالقوّة (كما حدث في غزّة في حزيران/يونيو 2007). لا أحد يستطيع أن يضمن حدوث خلاف ذلك.

 

بسبب الانقسام الطّائفيّ لقبائل وبسبب الوطنيّة المحلّيّة، من غير المرجّح أن تتشكّل وِحدة سياسيّة متّحدة ومتماسكة التي توحّد مراكز السّكّان العرب في يهودا والسّامرة أو في غزّة. السّلطة الفلسطينيّة/فتْح وحماس لا تمثّلان الطّموحات الحقيقيّة لمعظم العرب المحبّين للسّلام والذين يريدون مستقبلًا أفضل لأطفالهم في إطار تقليديّ وحُكم عائليّ محلّيّ. لذلك، حلّ الدّولتين محكوم عليه مسبَقًا بالفشل وبالمستقبل سيتمّ طرْحه في مزبلة التّاريخ.

 

إنّ الدّول المصطنَعة مثل سوريا، العراق، ليبيا، السّودان واليمن، وكذلك الدّولة الفلسطينيّة في حال تأسيسها، بحاجة لتوفير والاهتمام بوجود عدوّ خارجيّ كوسيلة لتوحيد سكّانها. هذا أيضًا هو السبّب في أنّ حافظ الأسد رئيس سوريا، وهي دولة مصطنَعة أنشأها الغرب، لم ينضم إلى الرّئيس المصريّ أنور السّادات في كامب ديفيد عام 1978. مع أنّ الأسد لم يكن بحاجة إلى الحرب، لكن كان عليه المحافظة على وضعيّة الحرب مع إسرائيل من أجل الحفاظ على حُكمه غير الشّرعيّ، ولهذا، على الرّغم من أنّه كان بإمكانه أن يحصل على الجولان من الرّئيس جيمي كارتر، إلّا أنّه فضّل تركه محتلّ من قِبل إسرائيل. الأمر نفسه سينطبق أيضًا على الدّولة الفلسطينيّة. نظرًا لأنها دولة مصطنَعة، سيتوجّب عليها أن تبقي دولة إسرائيل كعدوّ من أجل تحقيق الوِحدة تحت رايتها غير الشّرعيّة وصرْف النّقد الدّاخليّ عن حكّامها.

 

مبادئ عامّة وإرشادات لخطّة الإمارات

 

كي تكون القيادة العربيّة ناجحة عليها أن تكون مستقلّة، محلّيّة ومتجذّرة جيّدًا، مع قاعدة اجتماعيّة تقليديّة ومتجانسة. يجب على إسرائيل والعالم أن يعترفوا ويدعموا القيادة المحلّيّة في مراكز السّكّان العرب الفلسطينيّين، التي تسعى إلى إقامة علاقات سلميّة مستدامة مع إسرائيل كدولة-مدينة مستقلّة. بسبب الفساد المستمرّ والأجندة الواضحة ضدّ إسرائيل، قضى قادة السّلطة الفلسطينيّة/فتْح وحماس ما يقرب من نصف قرن في محاولة عقيمة لتدمير إسرائيل وكلّ ما بناه مواطنوها.

 

مبادئ الحلّ

 

• السّلطة الفلسطينيّة: ينبغي على السّلطة الفلسطينيّة أن تنهي دورها وأن تنقل الحُكم إلى العائلات الكبيرة المحلّيّة. نظرًا لأنّ نظام القبائل لا يزال حيًّا وموجودًا لدى عرب يهودا والسّامرة، فمن أجل استبدال السّلطة الفلسطينيّة بهيكل سياسيّ عربيّ يكون لديه احتمال عالٍ لحياة سلميّة مستدامة إلى جانب إسرائيل، يجب مراعاة الهيكل الاجتماعيّ والثّقافيّ للسّكّان. بكلمات أخرى، يجب اعتماد نموذج الشّرق الأوسط النّاجح، مثل الإمارات العربيّة المتّحدة في الخليج، وليس نموذج الدّولة الغربيّة الحديثة الفاشل، مثل العراق، سوريا، لبنان، السّودان واليمن.

 

• غزّة: يجب معاملة غزّة على أنّها دولة، مثل أيّ إمارة فلسطينيّة في يهودا والسّامرة. لدى غزّة توجد مؤسّسات حاكمة خاصّة بها، حدود، جيش، شرطة وجهاز قضاء. عرفت دولة إسرائيل كيف تعيش مع دول معادية لفترة طويلة.

 

• مدن يهودا والسّامرة: ستشمل الدّول-المدن الثّماني مناطق جنين، نابلس، رام الله، أريحا، طولكرم، قلقيلية، بيت لحم والجزء العربي من الخليل. تتمتّع إمارة الخليل بأعلى الإمكانيّات لتكون أوّل إمارة يتمّ تأسيسها، تحت حُكم عائلات التّميمي، قواسمة، جعبري، النّتشة وأبو سنينة. الحدود القضائيّة لإمارة الخليل يمكن أن تشمل أيضًا يطّا وغيرها من المدن والقرى العربيّة المجاورة. سيصبح السّكّان المحلّيّون مواطنين في الإمارات المستقلّة الثّماني. أي أجندة منافسة التي تسعى إلى عرقلة تنمية الإمارات الفلسطينيّة ستضرّ بمستقبل الفرص الاقتصاديّة والمدنيّة لمواطني الدّول المستقلّة الثّماني، وبالتّالي فعلى الأرجح أنّ العائلات الحاكمة في كلّ إمارة ستواجه بنجاح أي عنصر، داخليّ أو خارجيّ، الذي سيحاول تقويض حكمها وإلحاق الضّرر بمصالحها. ستتمكّن الإمارات الفلسطينيّة من إدارة اتّحاد فدراليّ فيما بينها إذا رغب سكّانها بهذا.

 

• المنطقة الرّيفيّة: ستعيد إسرائيل سيادتها إلى المنطقة الرّيفيّة في يهودا والسّامرة، وتعرض الإقامة والجنسيّة الإسرائيليّة على العرب الذين يعيشون في هذه المناطق.

 

• العلاقات المتبادَلة مع دولة إسرائيل: كلّ إمارة سوف تعالج شؤونها مع إسرائيل بشكل منفصل، في قضايا مثل المياه، الكهرباء، المواصلات، المَخرَج البحريّ، المَخرَج لمطار بن غوريون وللأردن. 

 

• اللاجئون: لا يمكن حلّ وضْع اللاجئين العرب إلّا إذا كان هناك استقرار في المنطقة. خلال حرب 1948 هرب وطُرِد مئات الآلاف من السّكّان العرب قبل هجوم الدّول العربيّة على إسرائيل. وفي الوقت نفسه، هرب وطُرِد من الدّول العربيّة المجاورة أكثر من 800000 يهوديّ، الذين تمّ استيعاب جميعهم وتأهيلهم من جديد وبنجاح في إسرائيل. تعرّض اللاجئون العرب منذ ذلك الحين للتّمييز من قِبل الدّول العربيّة في المنطقة، إلى جانب سياسة الأونروا الفاسدة، بحيث لم يتمّ توطين أي لاجئ عربيّ ولا تأهيله. المدير السّابق للأونروا في الأردن، السّير أليكساندر غالوي، قال: "الدّول العربيّة لا تريد حلّ مشكلة اللاجئين العرب. إنهم يريدون إبقاءها كالجرح المفتوح ... كسلاح ضدّ إسرائيل". إنّ الفشل الواضح لمبادرات السّلام، التي استندت على افتراضات خاطئة لعقود عديدة، فقط يديم مشكلة اللاجئين العرب والمعاناة الإنسانيّة.

 

خطّة الإمارات الفلسطينيّة هي بديل قابل للتّطبيق على أساس علم الاجتماع العربيّ للقبائل في غزّة، في يهودا والسّامرة. على عكس خطّة إقامة دولة فلسطينيّة، من المرجّح أن تحقّق هذه المبادرة الاستقرار، الاحترام، الحرّيّة، الأمن والازدهار لعرب يهودا والسّامرة، وتمهّد بقيّة الطّريق لسلام دائم بين إسرائيل وجيرانها.